في ظل جهودها الكبيرة التي تقوم بها حكومة المملكة العربية السعودية لتقدم أنموذجًا فريدًا من الخدمات المميزة والراقية لحوالي مليوني حاج ومعتمر يفدون إليها كل عام من كل فج عميق، وينزلون برحالهم في الأماكن المقدسة، متنعمين بشرف المقام في مهبط الوحي ومبدأ النور والرسالة وميلاد النبوة، ويعيشون أجواء غير الأجواء ويستنشقون عبق التاريخ ونسائم الأمكنة وخاصة لمن تطأ قدماه رحابهما للمرة الأولى فسوف تمتلك حواسه الدهشة ويغمر قلبه الهدوء والسكينة عندما تتجسد أمامه قدسية المكان وجلال الزمان، وتصافح حاسة الشم لديه تلك الروائح العبقة المنتشرة حوله من الطيب وشذى الورود لتنسج حوله تفاصيل عديدة وتجربة روحانية يصعب وصفها وستظل راسخة في الذهن والوجدان مدى العمر. ويقف خلف هذا العمل اليومي المتكرر لتوفير هذه الأجواء المريحة والعبقة من الطهارة والنظافة والجمال والعناية المتكاملة جهود عظيمة وإمكانيات كبيرة تشرف عليها وضمن مسؤوليتها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي متمثلة في إدارة خاصة لتطييب وتبخير المسجد الحرام تعمل على مدار الساعة. ولإيضاح جزء من هذه الجهود التي تحرص على توفيرها بكل عناية واهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- وتلفت انتباه هذه الحشود الكبيرة من الحجاج والمعتمرين وقد تثير لديهم الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام، ولإيضاح الصورة كاملة حول هذه الجزئية البسيطة من جملة الخدمات الجبارة والأساسية التي تقدم لضيوف الرحمن في كافة أرجاء المشاعر المقدسة نقول ولمن لا يعلم عنها شيئا أن هذه الأعمال تتم بصفة يومية دائمة، وبصفة سنوية خاصة وأما الأخيرة فتتم بمناسبة غسل الكعبة المشرَّفة من الداخل وذلك في اليوم الخامس عشر من شهر محرم كل عام وبحضور خادم الحرمين الشريفين أو من ينيبه من الأمراء كأمير منطقة مكة المكرمة، أو كبار المسؤولين وبمشاركة عدد من سفراء الدول الإسلامية وسدنة البيت الحرام لنيل هذا الفضل والشرف العظيم. ويتم في هذه المراسم عادة غسل جدران الكعبة من الداخل باستخدام قطع قماش مبللة بخلطة خاصة مكونة من ماء زمزم الممزوج بماء الورد والعود الفاخر والعطور وبنسب دقيقة يشرف عليها فريق متخصص، وبعد مسح الجدران، يتم تجفيف الأرضيات وتبخير الكعبة بأجود أنواع العود ودهن الورد. أما على صعيد الأعمال اليومية المعتادة فإنه يتم تطييب الحجر الأسود بربع تولة من دهن العود الفاخر قبل كل صلاة، ويطيب الملتزم والركن اليماني بتولة من دهن العنبر والورد قبل كل صلاة، وللعلم فإن وزن التولة الواحدة من عطر أو دهن الورد يبلغ حوالي (11.66) جراماً، وعادةً ما يُقربها التجّار إلى (12) جراماً لتسهيل الحساب، أما بالنسبة للحجم والسعة، فإن زجاجة التولة تتسع إلى حوالي (12) مل من السائل العطري. ويتم تبخير المسجد الحرام باستخدام العود المطحون وكسر العود في المبخرة اليدوية، ليغمر المكان بأجواء روحانية مميزة وباستخدام (20) مبخرة يومياً، كما يتم تعطير الزوار عند مداخل المسجد الحرام المخصصة لدخول المصلين باستخدام البخاخات المركزة، وكذلك تطييب الزوار عند مداخل المسجد الحرام باستخدام دهن العنبر والورد، إضافة إلى تعطير كافة أرجاء المسجد الحرام باستخدام المضخات العطرية على مدار اليوم، مع عمل الفواحات لضمان توزيع العطر بشكل متساوٍ وفعَّال في كافة أنحاء المسجد الحرام. وإذا ما رجعنا إلى لغة الأرقام لتحقيق هذه الروحانية العبقة بنفحات الطيب وشذى الزهور والورود وحسب آخر تقارير هيئة الحرمين الشريفين فإنه يتم تطييب الكعبة خمس مرات يومياً قبل الصلوات، ويتراوح استهلاك البخور إلى ما يقارب كيلوغرام يومياً، وفي يوم الجمعة يصل إلى نحو كيلوغرامين، وتتضاعف هذه الكميات في المواسم سواء في شهر رمضان أو موسم الحج، ويستخدم لذلك العديد من الأدوات التقليدية والحديثة في التعطير، مع مراعاة كيفية الحفاظ على نقاء الخلطات وتوزيعها حسب ما هي مخصصة له في أماكنها من أرجاء الحرم سواء في الحجر الأسود أو الركن اليماني أو كسوة الكعبة أو بوابات الحرم. ويتم استهلاك أكثر من (84,732) كيلوجراماً من البخور الطبيعي، المختار بعناية، و(567) عبوة بحجم (250) مل من أرقى العطور، و(1032) تولة من دهن الكعبة الفاخر، و(764) تولة ونصف من دهن العنبر والورد لتعطير الزوار، كما يتم أيضا استهلاك (35,052) لتر من المعطرات التي توزع داخل الحرم وساحاته، أما الفواحات الثابتة فيتم استخدام (244) فواحة تنشر عبير الطيب في كل زاوية من المسجد الحرام. إن هذه الجهود تتكامل مع بقية الجهود الأخرى والخدمات الضخمة في كل قطاع لتمنح الحاج والمعتمر والزائر تجربة فريدة تعزِّز من روحانيتهم وتساعدهم على أداء عباداتهم ومناسكهم في أجواء إيمانية يسودها الأمن، والطمأنينة، والراحة التامة، وفي الجانب الآخر تعكس بجلاء صورة مشرقة من صور الاهتمام ببيت الله الحرام، وكرم الضيافة السعودية والحفاوة البالغة بضيوف الرحمن ومدى الحرص على جعل رحلة الحج لديهم هي رحلة العمر فعلا والتجربة التي لا يمكن أن تنسى.