×
محافظة العديد

أثر الشائعات في زعزعة أمن المجتمعات

صورة الخبر

في عصر السماوات المفتوحة، والهواتف المحمولة وتطبيقاتها التي جعلت كل إنسان قادراً على الوصول بفكره إلى أي إنسان على وجه الأرض، يتطلب ذلك تحصين المجتمعات من سريان الشائعات الهدامة، التي تهدف إلى زعزعة الأمن وانهيار الثقة بين المواطن والدولة. في ظل هذا الواقع الذي كشف عن سلبيات التكنولوجيا، أصبح المواطن هو رجل الأمن الأول، وأصبح أمن الدول واستقرارها مرتبطاً بمدى وعي مواطنيها، فلا يكونوا صيداً سهلاً للمتربصين بالوطن، فلم يعد الاستقرار حالة تفرضها الدولة، وإنما واقع يصنعه المواطن بوعيه، ويشارك في تحقيقه، عندما يدرك أن مسؤوليته وسلوكه اليومي وتعاطيه مع ما يدور حوله جزء من منظومة كبرى تشكل قناعات المجتمع وتحميه من عبث العابثين، وقد يمنع تصرف حكيم لمواطن واحد ضرراً كبيراً يؤذي العديد من المواطنين. إذا تلقى المواطن الواعي الشائعات بسخرية ولم يذعها، فإنه بذلك يكون قد وأدها، ومنع الفوضى، وانتصر على نفسه ثم على مروجيها، أما إذا انساق وراءها بالتصديق والترويج، فإنه لا يقل إثماً عمن اختلقها، وقديماً قيل: «أميتوا الباطل بالسكوت عنه». تستطيع الدول إنشاء المباني الشاهقة، أما بناء الثقة وتعزيزها فلا يمكن لفرد واحد مهما علت سلطته أن يقوم به، ولا لمؤسسة مهما توفرت لها الإمكانيات أن تحققه، ولا بد من تضافر جهود جميع أفراد المجتمع لتحقيق ذلك، وصدق القائل: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه.. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم. فعلى جميع الأفراد أن يكونوا بنائين لا هدامين، برفض الشائعات وعدم الانسياق وراءها، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين، فذلك يخلق بيئة غير مناسبة لأي نبات خبيث، من شائعة مغرضة، أو تهم ملفقة، أو خبر لا أساس له. في ظل هذا الزيف الذي يحيط بالأسماع والأبصار، حريّ بكل من يربأ بنفسه، ألا يستمد معلوماته إلا من الجهات الرسمية، ومصادرها المعنية، فإذا نطق فلا ينطق إلا بالحق، وإذا تكلم فلا يتكلم إلا بالصدق، سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما يبرر للإنسان الإدلاء بشهادته، وإلى أي مدى يجب أن يكون مستوثقاً مما ينطق به، ويقرر أنه شاهد عليه، فقال لسائله: «تَرَى الشَّمْسَ؟» قالَ: نَعَمْ، قال: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أوْ دَعْ». لو جعل كل منا هذا المبدأ النبوي مرجعه الذي يحتكم إليه، ما امتلأت صفحاته في الدنيا (صفحة تويتر، أو الفيس، أو إنستغرام... أو غير ذلك) أقول: ما امتلأت تلك الصفحات إلا بما يُيَمِّن كتابه يوم الدين، ويملأ صفحاته بما يبيض وجهه يوم تبيض وجوه. وربما احتاط بعضهم في نقل الأخبار ليل نهار، فصدَّرها بأنَّه قرأها أو سمعها، أو شفعها بوصف (منقول)، ويظن أنه بذلك لم يكذب، وإنما نقل ما قد يكون كذبًا، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجًُلِ زَعَمُوا». ومعنى الحديث الشريف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يذم فِعْلَ من ينقل الكلام مصدِّرًا إياه بكلمة «زَعَموا»، هكذا على إطلاقها دون أن ينسب كلامَه لأحَدٍ محدد، أو لمصدر موثوق. وإذا كان هذا هو الخلق الذي ينبغي للمسلم في كل زمان ومكان، فما أشد حاجتنا إلى التذكير به وتأكيده في أيام الفتن، التي تكثر فيها شهوات نقل الأخبار، ورغبات النفوس في تصدر المشاهد دون اكتراث بمصداقية ما ينشره، ونحن في زمن أصبح للكذب فيه أدوات حديثة، فراجت صناعة جديدة نستطيع أن نسميها: «صناعة الكذب»، فيسرت على الشياطين مهمتهم في إغواء المضللين المفسدين، فانتشرت البرامج والتطبيقات التي يصنعون بها ما يشاؤون من صور وفيديوهات ومقاطع صوتية، يُقَوِّلُون ويصورون وينسبون إلى خلق الله ما لم يصدر منهم، وفي هذا بهتان وإثم كبير، ولا يقل إثم ناقله عن فاعله، فكلهم في الجريمة سواء. إن قوة الدول الحقيقية ليست في كثرة مواردها، أو حجم جيوشها فقط، وإنما أيضاً من قبل ذلك وبعده في جبهتها الداخلية، في مدى إدراك مواطنيها لدورهم في حماية بلدهم، بسلوكهم قبل سلاحهم، فكل اختيار صحيح لهم هو إسهام مباشر في رفعة وطنهم، ويظل تماسك الجبهة الداخلية هو خط الدفاع الأول في أوقات الحروب، وهو الذي يعزز صمود الدول وحماية أمنها واستقرارها، وهذا ما أكدته التجارب على مر التاريخ.