في مشهدٍ لم يعد مفاجئًا لمن يراقب التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة، لكنه يظل مُلفتًا في دلالاته العميقة، جاء تأكيد مجلس الوزراء على أن اختيار أكثر من (700) شركة عالمية للمملكة العربية السعودية مقرًا إقليميًا لها، بوصفه شاهدًا جديدًا على مرحلة مختلفة من تاريخ الاقتصاد الوطني، مرحلة لم تعد فيها المملكة سوقًا واعدة فحسب، بل أصبحت مركزًا مؤثرًا في صناعة القرار الاقتصادي والاستثماري في المنطقة. هذا الرقم، في جوهره، ليس مجرد حصيلة إحصائية، بل هو تعبير مكثف عن مسار طويل من العمل المؤسسي، والتخطيط الاستراتيجي، والاستثمار الواعي في الإنسان والمكان والأنظمة. لقد أدركت المملكة، منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، أن بناء الاقتصاد الحديث لا يقوم على الثروة الطبيعية وحدها، مهما عظمت، بل على بنية تحتية متينة، ومنظومة تشريعية مرنة، وبيئة أعمال قادرة على استيعاب الطموح العالمي. ومن هنا، لم يكن تطوير المطارات والموانئ، وشبكات الطرق والاتصالات، ومراكز البيانات، والمدن الذكية، مجرد مشاريع خدمية، بل كان تأسيسًا لقاعدة صلبة تستند إليها حركة استثمارية عابرة للحدود. ومع كل مشروع يُنجز، كانت المملكة تبعث برسالة واضحة للعالم: نحن نعيد تعريف المكان الذي نريده في خارطة الاقتصاد الدولي. وإذا كانت البنية التحتية هي الجسد، فإن التحول الرقمي هو الروح التي تبث فيه الحيوية. فقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية في مستوى الخدمات التقنية، وفي جاهزية الحكومة الرقمية، وفي تكامل المنصات، وفي سرعة الإجراءات وشفافيتها. هذا التحول لم يُسهّل حياة المواطن والمقيم فحسب، بل صنع فارقًا حقيقيًا في نظرة المستثمر العالمي الذي يبحث، قبل رأس المال والأسواق، عن بيئة عمل واضحة، مستقرة، وقابلة للتنبؤ. وحين تجد الشركات الكبرى أن تأسيس مقر إقليمي في الرياض أو جدة أو نيوم يعني اختصار الوقت، وتقليل التعقيد، وفتح الأبواب أمام فرص إقليمية واسعة، فإن القرار يصبح منطقيًا بل وضروريًا. لكن الجاذبية الاقتصادية لا تُبنى بالبنية التحتية والتقنية وحدهما، بل تكتمل ببيئة أعمال ناضجة، قادرة على حماية الاستثمار، وتحفيز النمو، واحتضان الابتكار. وفي هذا الإطار، جاءت الإصلاحات التشريعية والتنظيمية المتلاحقة لتعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، وتمنح المستثمر قدرًا عاليًا من الثقة والوضوح. أنظمة الاستثمار، والإفلاس، والمنافسة، وحوكمة الشركات، إلى جانب التسهيلات الضريبية والمناطق الاقتصادية الخاصة، كلها أسهمت في صياغة مشهد جديد لا يقوم على الجذب المؤقت، بل على الشراكة طويلة المدى. إن اختيار أكثر من 700 شركة عالمية للمملكة مقرًا إقليميًا لها يعني، في أحد أبعاده العميقة، أن المملكة لم تعد تُقرأ بوصفها اقتصادًا يعتمد على مورد واحد، بل كمنصة متعددة المسارات: صناعية، ولوجستية، وتقنية، وسياحية، ومالية. وهو أيضًا اعتراف ضمني بقدرة الاقتصاد السعودي على لعب دور محوري في ربط ثلاث قارات، وفي إدارة سلاسل الإمداد، وفي قيادة أسواق إقليمية تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية. والأهم من ذلك كله أن هذا التحول ينعكس على الداخل قبل الخارج. فوجود هذه الشركات لا يعني فقط تدفق الاستثمارات، بل يعني نقل المعرفة، وبناء القدرات، وخلق فرص عمل نوعية، ورفع مستوى التنافسية لدى الكوادر الوطنية. إنه انتقال تدريجي من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج، ومن هامش التأثر إلى مركز التأثير. في المحصلة، فإن ما أكده مجلس الوزراء ليس خبرًا اقتصاديًا عابرًا، بل هو علامة على أن المملكة تسير بثقة نحو مستقبل تُصاغ فيه قرارات الاستثمار العالمي من داخلها، لا على هامشها. هو مشهد يُجسّد أن الرؤية حين تتحول إلى سياسات، والسياسات حين تُترجم إلى مشاريع، فإن النتائج لا تتأخر في الظهور. وهكذا، تواصل السعودية إعادة تعريف صورتها: ليس فقط كقوة إقليمية، بل كوجهة عالمية للاقتصاد، والطموح، وصناعة الغد.