في حقبة زمنية يرزح فيها كوكب الأرض تحت وطأة تغيرات مناخية متسارعة، وبينما يقرع العالم أجراس الإنذار خوفاً من التصحر، وتآكل التنوع الحيوي، اختارت المملكة العربية السعودية ألا تكون مجرد مراقب لهذا المشهد العالمي المضطرب، ورسمت ذلك العمل المهني من خلال رؤية 2030، والتي حملت بشارة عمل مؤسسي من خلال مبادرتي «السعودية الخضراء» و»الشرق الأوسط الأخضر»، وضعت المملكة نفسها في طليعة المواجهة، راسمةً خارطة طريق طموحة لاستعادة التوازن البيئي. ولكن، في خضم هذه الخطط الاستراتيجية والأرقام المليارية للأشجار المستهدفة، يبرز تساؤل جوهري حول «الحلقة الوصل» بين القرار الرسمي والسلوك المجتمعي، وهنا يتجلى دور الإعلام البيئي كأداة استراتيجية لا غنى عنها لهندسة الوعي وقيادة الفكر والتغيير. فلم تعد المنهجية والرسالة الإعلامية البيئية رهينة القولبة التقليدية، كالنشرات الجوية، والرصد الآني لارتدادات الكوارث الطبيعية، بل شهد تحولاً هيكلياً ارتقى به أكاديمياً ووظيفياً ليغدو وسيطا ثقافيا استراتيجيا يمتلك الممكنات اللازمة لتفكيك البيانات العلمية الجامدة، وإعادة هندستها في هيئة رسائل سلوكية ذات تأثير ملموس، إنه الأداة الديناميكية التي نجحت في جمع المفاهيم النخبوية كأطروحات الاستدامة والانبعاثات الكربونية ونقلها من أروقة المؤتمرات المغلقة لتصبح ثقافة حية تتغلغل في الممارسات اليومية للمجتمعات، ومن هذا المنطلق، يتسامى الإعلام عن دوره الإخباري المجرّد، ليضطلع بمسؤولية صياغة المفهوم البيئي الجديد والذي يُعيد تعريف كفاءة الموارد، ويرسخ مكانة المواطن كشريك محوري فاعل في منظومة صون وحماية واستثمار المكتسبات الطبيعية ومن خلال منظومة العمل الاستراتيجي البيئي يظهر الإعلام كرافعة استراتيجية للتحول الوطني، في ظل سياق استقراء الأبعاد الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030، يتبين أن الاستحقاق البيئي بمصفوفته المتشعبة من تنمية الغطاء النباتي، وصون الموائل الطبيعية، وكفاءة إدارة منظومة النفايات، لا يمكن أن يكتمل نصابه بمعزل عن تمكين ظهور اعلامي استراتيجي متخصص تتخذ الرؤية من جودة الحياة مرتكزاً محورياً، فإن المؤسسة الإعلامية تضطلع بمهمة ماسة لهذا المفهوم وتجسيره، رادمةً الفجوة بين هرم صناعة القرار وقاعدة الامتثال المجتمعي، وهنا، يتجاوز الإعلام وظيفته التقليدية ليمارس دور «الوسيط التفسيري» الذي يعيد صياغة المستهدفات العليا بخطاب مجتمعي مستساغ، مُحدثاً بذلك تحريك نوعي في سلوك المواطن والمقيم؛ من خانة التلقي السلبي للإملاءات، إلى مربع الشراكة الفاعلة، ومؤسساً لانتقال واعٍ من أنماط الاستهلاك العشوائي إلى فضاء الممارسات المستدامة الرشيدة. وجاء تحويل منهجية الصوت الإعلامي من خلال دبلوماسية الإعلام مع إطلاق ولي العهد لمبادرة «السعودية الخضراء» التي تستهدف زراعة 10 مليارات شجرة، ومبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي ترمي لزراعة 50 مليار شجرة في المنطقة، تعاظم مسئولية دور الإعلام البيئي ليأخذ بعداً «دبلوماسياً». فمحلياً، يعمل الإعلام على تحويل هذه الأرقام الضخمة من مجرد إحصاءات إلى «شعور وطني» وارتباط نفسي بالأرض، موثقاً ذاكرة التحول ومحفزاً للتطوع. أما إقليمياً، فيمارس الإعلام دور «القوة الناعمة»، مبرزاً ريادة المملكة كقائد بيئي عالمي، ومحفزاً للتعاون الإقليمي لمواجهة أخطار عابرة للحدود، مما يرسخ مفهوم المصير البيئي المشترك لشعوب المنطقة. وكون المنظومة الإعلامية سريعة التحول في ظل الممكنات الرقمية العصرية من الوعي إلى السلوك تشير الدراسات السلوكية الحديثة إلى أن الوعي وحده لا يكفي لإحداث التغيير؛ بل لا بد من محفزات عاطفية واجتماعية، ومعها يتحول توظيف عصر الهاشتاق والترند وبرامج التواصل الاجتماعي، ليقدم الإعلام الرقمي حلولاً مبتكرة عبر تدريب واستقطاب المؤثرين البيئيين، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تقيس البصمة الكربونية، ليحمل هذا الجيل الجديد من الإعلام المسئولية والانتقال من الخبر والسرد الى خلق تجارب تفاعلية ملموسة. يواجه الاعلام البيئي تحديات كبيرة تلوح في افاق المستقبل رغم الحراك النشط على مستوى البرامج وتنوعها حيث لا يزال المشهد الإعلامي البيئي يواجه تحديات هيكلية، أبرزها ندرة الكوادر المتخصصة في المجال الاعلام البيئي، والصحفية المتخصصة القادرة على تبسيط العلوم البيئة، وغياب التنسيق المستدام بين الجهات المعنية، مما يجعل بعض الحملات موسمية الطابع. ولكي يصبح الإعلام البيئي ركيزة أساسية ورافعة حقيقية للاستدامة، يستلزم الأمر تخصصية الاعلام من خلال التطبيقات والتدريب على امرين مهنية التخصص، وإعلامية المحتوى والمهارات عبر إنشاء مركز وطني للإعلام البيئي ينسق الجهود، وتأهيل جيل من الإعلاميين المتخصصين، فضلاً عن إدماج البعد البيئي في المناهج والأنشطة الطلابية، ليكون الوعي البيئي عملية تراكمية تبدأ من التنشئة. وفي الختام يبقى الإعلام البيئي في ظل المتغيرات الحالية ليس ترفاً فكرياً، بل هو ركيزة أمنية وتنموية، وجسر تعبر من خلاله إنجازات الوطن التنموية والمبادرات البيئية، بكافة وسائل الاتصال. أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود mshayaa@gmail.com