×
محافظة الطوال

رفيقتي الحانية

صورة الخبر

للكتابة سرٌّ خاص لا يُدركه إلا الكتّاب، الذين رأوها ملاذًا وملجأ. فهي ليست مجرد كلمات تُسطَّر، ولا حروف تُرصّ، بل أيادٍ حانية تمتدّ في اللحظات الصعبة، تنتشل صاحبها من ثقل المشاعر، وتفتح أمامه نوافذ متعددة على الذات والعالم. حين أكتب، أشعر وكأن رفيقًا عزيزًا يلازمني معظم الوقت، أصغي إليه ويصغي إليّ، أفهمه ويفهمني دون حاجة إلى تفسير أو شرح. الكتابة موهبة، نعم، لكنها في جوهرها علاقة طويلة الأمد، تنمو مع الأيام وتتعزز مع التجربة. تمتلك قدرة لافتة على سدّ تلك الثقوب الخفية التي يتسلل منها القلق أو الحزن، بل وحتى الوحدة. فهي تمنح صاحبها فرصة ترتيب فوضاه الداخلية، وإعادة النظر في شتى الأمور، ووضع مسافة آمنة بينه وبين ما يؤلمه. ولهذا، لطالما كانت الكتابة رفيقتي في الإخفاق قبل الإنجاز، وفي الحزن قبل الفرح، وفي الصمت حين تتوقف الكلمات عن التعبير. منذ نعومة أظفاري، كان للقلم حضور خاص في حياتي، لم يكن أداة بقدر ما كان امتدادًا داخليًا، أعود إليه كلما ازدحمت أفكاري. ومع مرور الوقت، أدركت أن هذه العلاقة لم تكن عابرة، بل رفقة حقيقية تشكّلت بهدوء، ونضجت بصبر، حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ مني. لقد منّ الله عليّ بهذه الرفقة، رفقة القلم، التي أعدّ نفسي محظوظة بها. شعورٌ لا يوصف حين أمسك به، فتتبعثر أمامي الحروف كما لو أنها فراشٌ مبثوث، خفيف، حرّ، يقول ما أعجز أحيانًا عن قوله بصوت مسموع. في تلك اللحظات، أشعر بأنني أكثر صدقًا مع نفسي، وأكثر قربًا من ذاتي. أما الإلهام، فهو ذلك الزائر الذي يطرق الباب دون موعد، مرحّبٌ به دائمًا، قد يأتي في أكثر الأوقات ازدحامًا، أو في لحظة هدوء غير متوقعة، لكنه حين يحضر، يتراجع أمامه صخب الحياة، فلا أجد نفسي إلا ممسكةً بقلمي، منصتة لنداء داخلي لا يخيب. وفي زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات، وتكثر فيه الأصوات، تظلّ الكتابة بالنسبة لي مساحة اتّساع، لا هروب، ورفقة هادئة تُعيدني إلى توازني، بها أرى العالم بقدرٍ أكبر من اللين، وأمنح نفسي فرصة الفهم قبل الحكم، والهدوء قبل التسرع، هي رفيقة لا تعزلني عن الحياة، بل تقرّبني منها، وتجعلني أكثر نضجًا وسلامًا مع ما أكونه وما أصير إليه.